ابن عربي
77
مجموعه رسائل ابن عربي
وهل علم هؤلاء أن من الملكات الإنسانية ملكات تتحد نتائجها كما يتحد الإحساس بها ؟ وان هناك ملكات تختلف فيها النتائج بعض الاختلاف أو أكثر الاختلاف ؟ . وهل علموا أن ملكة الروح الصوفية الجائلة الصاعدة المولعة بالتحليق في المجهول يتحد الإحساس بها في كثير من الحالات ، ولا تختلف نتائجها إلّا في شيء واحد ، هو الوصول إلى كل الحقيقة . ومن المقرر الثابت بين العامة وأهل النظر إن سلامة أي جهاز ميكانيكي أو إنساني يعطي من نتائج العمل كلها ولا يمكن الاعتراض عليه ، وإن اختلال جزء من أجزاء تلك الأجهزة يعطي بعضا لا يمكن الاعتراض عليه أحيانا ، ويمكن الاعتراض عليه في أحيان أخرى ، ومن الثابت كذلك إن سلامة الأجهزة الروحية الإنسانية لا تكون إلّا في عقيدة قويمة ، وباطن حر ، وظاهر مقيد بما تعارف عليه العقلاء من قيود الآداب والأخلاق ، أو قيود المثالية الإنسانية الرفيعة . وإذا تقرر كل ذلك ، فكيف ننسب إلى المسلمين اقتباسهم من الأوروبيين في هذه الناحية من نواحي الإدراك ، ولا نقول باتفاق أحاسيس المتوجهين واختلاف نتائج تلك الأحاسيس تبعا للإيمان أو الإلحاد . أو التخليط أو التدرج على سلم المثالية ، أو سلامة المدارك أو فسادها بالاستقامة أو الانحراف ؟ ! ! . لقد فطن الشيخ الأكبر إلى تلك القضية فقال : ولا يحجبك أيها الناظر في هذا الصنف من العلوم ، الذي هو العلم النبوي الموروث عنهم ( صلوات اللّه وسلامه عليهم ) ، إذا وقعت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم ، أو صاحب نظر في أي علم كان . فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق : إن فيلسوفا قال بهذا ولا دين له . فلا تفعل يا أخي . فهذا قول من لا تحصيل له . إن الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فقد تكون تلك المسألة مما عنده من الحق ، ولا سيما إن وجدنا النبي ( ص ) قد قالها ، ولا سيما فيما وصفوه من الحكم والتبرؤ من الشهوات ومكائد النفوس . وما تنطوي عليه من سوء الضمائر ، فإن كنا لا نعرف الحقائق فينبغي أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة ، وإنها حق ، فإن رسول اللّه ( ص ) قد قالها ، أو الصاحب أو مالكا أو الشافعي أو سفيان الثوري ، وأما قولك - إن قلت - سمعها من فيلسوف ، أو طالعها في كتبهم . فإنك تقع في الكذب والجهل . وأما الكذب فقولك : سمعها